الجمعة، ديسمبر 20، 2013

موجز النزاعات بين الدين والعلم -- فيكتور ستينجر

  • طبيعة الواقع
كل الأديان، بما فيها البوذية، تعلّم عن وجود واقع يتجاوز ويتعالى على العالم المادي الذي يكشف نفسه لحواسّنا وأجهزتنا العلمية، واقع يمكننا التوصل إليه بطرق فوق حسية. ورغم أن العلم مستعد للنظر في أي أدلة تظهر، فلم يظهر لحد الآن أي دليل يتطلب إضافة أي كائن غير مادي إلى النماذج التي تصف المشاهدات. وبالمثل، فلم يتم التحقق موضوعيا من أي معلومة تحصّلت بطرق فوق حسية.
في هذا الصدد، كثيرا ما يقال بأن العلم لا يملك ما يقوله عن الفوق طبيعي. ولكن هذا خطأ: فلو كان الفوق طبيعي موجودا وله تأثير على العالم المادي، فإن هذه التأثيرات ستخضع للدراسة العلمية.
  • نشأة الكون
تعدّ فكرة الخلق الإلهي أساسية في معظم الأديان. وفي وقت ما بدا من المستحيل أن يظهر الكون للوجود بشكل طبيعي. وقد رأى المسيحيون [وكذلك المسلمون] في نجاح نموذج الانفجار الكبير دعما مضافا لقصة الخلق التوراتية. إذ يبدو على الأقل أنه قد أثبت أن للكون بداية وهذا يؤدي، حسب تفكيرهم، إلى أن علة هذه البداية لن يكون غير الله الخالق.
ولكن الكونيات الحديثة ثبّطت من هذا الأمل إلى حد بعيد، فقد اتضح لاحقا أن الانفجار الكبير لا يحتاج لأن يكون بداية للزمان والمكان وأن الكون ربما يكون أزليا، أو أقله يمكن إثبات خطأ المزاعم اللاهوتية بأن الكون الأزلي مستحيل رياضيا. واليوم يبدو من المعقول، بل والمرجح، أن كوننا ليس سوى واحد بين عدد غير محدود من الأكوان الأخرى. وقد تم نشر العديد من السيناريوهات المعقولة للنشأة الطبيعية لكوننا من قبل باحثين مرموقين. وهذا يكفي لتفنيد أي زعم بأن المنشأ الإعجازي ضروري.
وكما هو الحال مع كل الآراء العلمية، فهذه الاستنتاجات تظل مؤقتة. ومع أنها لا تتناقض بشكل مباشر مع وجود خالق، فالعلم لا يرى حاجة إليه في حين لا يحيا الدين بدونه.
  • التوليف الدقيق
يجادل اللاهوتيون بأن معاملات الفيزياء دقيقة التوازن إلى درجة أن أي تغيير ضئيل في قيمها سيؤدي لاستحالة الحياة. ولهذا، فلا بد من أن الخالق هو من قام بتوليف هذه المعاملات بدقة بحيث يمكن لنا، ولشكل الحياة خاصتنا، أن نتطور.
يمكن تفنيد هذا الزعم على عدة صُعُد. والتفسير الأشهر بين علماء الفيزياء والكونيات هو أن هناك عدة أكوان، وأننا نعيش في الكون الذي يناسبنا.
ولكن حتى لو لم يوجد كون غير كوننا هذا، فيمكن العثور على تفسيرات ملائمة في معرفتنا الحاضرة لقيم هذه المعاملات الأهم. كما يمكن إثبات أن للأخريات مدى من القيم يجعل بعض أشكال الحياة ممكنا.
  • الاحتجاج بالتصميم
جادل المفكرون عبر قرون طويلة بأن النظام الذي نشاهده من حولنا هو دليل على التصميم الإلهي في الكون. ولكن شخصية (فيلو) في كتاب ديفيد هيوم ”محاورات حول الدين الطبيعي“ (1779)، عدّد نقاط الخلل في  هذا الاحتجاج. وبكل بساطة، فإن الكون لا يبدو مصمما على يد إله كامل خير، فهو يزخر بالنقصان ويفيض بالشر والمعاناة.
تدّعي حركة التصميم الذكي المعاصرة أن التراكيب المعقدة تتطلب معمارا وبناء، وأن العمليات الطبيعية تعجز عن توليد معلومات جديدة. وهم بذلك يطبقون قانونا خاطئا عن ”حفظ المعلومات“. فالمعلومات تكافئ الإنتروبيا السالبة، والإنتروبيا لا تخضع لقانون الحفظ. إضافة إلى أن تولّد النظم المعقدة من البسيطة يمكن مشاهدته في مواقف فيزيائية عديدة، كما في تحولات الحالة التي تتم بشكل طبيعي من الغاز إلى السائل ثم إلى الصلب في غياب الطاقة الخارجية.
  • التطوُّر
تعد الحياة على الأرض خير مثال على التعقيد الطبيعي. وقد أظهر التطور الدارويني كيف تطورت، خلال بلايين السنين، كل الأنواع الموجودة من أشكال أبسط عبر عملية التطفّر بالصدفة والانتقاء الطبيعي. يثبت لنا التطور كيف يمكن للبساطة أن تتطور نحو التعقيد، رغم أنها لا تتطلبه.
أكثر من 50% من الأميركان يقولون بصراحة أنهم لا يؤمنون بالتطور. وفي حين يرفض البروتستانت الأصوليون القبولَ بالتطور بسبب تناقضه الصريح مع الكتاب المقدس، فإن الكاثوليك والبروتستانت المعتدلين يدّعون أنهم يعترفون بالتطور ولا يرون فيه ما يناقض إيمانهم. ولكن الاستبيانات تكشف أنه لا يوجد في الواقع مسيحيون يقبلون بنظرية التطور كما تفهمها البيولوجيا الحديثة. فهم يصرّون على أن يد الله توجّه التطور، في حين لا يؤدي الله دورا في النظرية التطورية المتعارفة. بل إن آلية التطور تتمثل تحديدا بالتنوع غير الموجه زائدا الانتقاء الطبيعي، وهو ما يفسر التعقيد والتنوع الحيوي الذي نشاهده، والغياب الواضح للهدف الخير بل مطلق الهدف.
لقد حُكِم على محاولات تدريس الخلقية في الولايات المتحدة تحت قناع ”علم الخليقة“ أو ”التصميم الذكي“ في المحاكم الفيدرالية بأنها انتهاك لدستور الولايات المتحدة، لأنها تمتلك دافعا واضحا لدعم الدين. ولكن 17% من مدرّسي البيولوجيا في الثانويات لا يغطّون التطور و 60% ينفقون أقل من خمسة ساعات على موضوع يمثل أساس البيولوجيا الحديثة. وهنا لا يمكن لتأثير الدين السلبي على العلم أن يكون أشد وضوحا.
  • الوعي الكمي والكون الكلاني
منذ الـ1970ـات، كان دعاة ’العصر الجديد‘ وأنصار الظواهر الخارقة يدّعون أن ميكانيك الكم تدل على أن الوعي البشري يمكنه التأثير في الواقع، ليس الآن وهنا فقط بل في كل مكان وأوان ضمن الزمكان، ماضيا ومستقبلا. وهذا يعني أن الكون هو كل ٌّ واحد موحد يضبّط فيه العقل البشري ضمن ”وعي كوني“.
وهذه الفكرة الجامحة لا تدعمها الأدلة التجريبية ولا النظرية الكمية نفسها، كما يفهمها الخبراء.
وكذلك فإن ادّعاء المؤمنين أن الفيزياء الحديثة قد هدّت أسس المادية، وأنها تشير إلى كون كلاّني، لا تدعمه الحقائق أيضا. فالنموذج القياسي للجسيمات والقوى، الذي يقوم على النسبية وميكانيك الكم، هو مادي اختزالي بالكامل.
  • الاختزالية والبزوغ
منذ أيام الذرّيين الإغريق وعبر الميكانيك النيوتني وحتى النموذج القياسي الحالي للجسيمات والقوى، كانت الفيزياء اختزالية دوما—تختزل كل شيء إلى مجموع أجزائه. فعالَم الفيزياء ذو ترتيب هرمي، يبدأ بالجسيمات الأساسية فالذرات فالجزيئات وهكذا، وصولا للعقل، فالمجتمعات البشرية، وهكذا وصولا إلى الكون. وفي كل مستوى تُكتَشَف مبادئ جديدة لا يمكن عموما أن تشتق من فيزياء الجسيمات. ويقال أن هذه المبادئ الجديدة ”تبزغ“ من المستويات الأولى.
إن الحكمة الشائعة حول هذه العملية هي أن ”السهم السببي“ يظل مشيرا للأعلى منذ أوطأ مستويات الجسيمات. ولكن اللاهوتيين وبعض العلماء يحدسون أن هناك ”سهما سببيا“ آخر يشير للأسفل بحيث يمكن للمبادئ البازغة أن تؤثر في سلوك كيانات من مستوى أدنى. ومن ثم يتصورون الله على أنه المبدأ البازغ الأعظم، الذي يتصرف في عالم المادة والعقل.
ولكن الأمثلة التي يقدّمونها تتسم بالسطحية، كمثال المضغاط في اسطوانة غاز الذي يحرّك ذرات الغاز. فالذرات في المضغاط ببساطة تحرك الذرات في الغاز عبر تصادمات جسيمية بطريقة اختزالية بالكامل. كما يمكن إثبات أن بعض المبادئ البازغة، كمبادئ الثرموديناميك، ديناميك الموائع، ونظرية الشواش، يمكن في الواقع اشتقاقها من فيزياء الجسيمات. فهي جسيمات طول الطريق للأعلى والأسفل أيضا.
  • لاهوت المعلومات
بعد الثورة العلمية في القرن ال17، أصبحت الماكنة أو تروس الساعة أشهر مجاز عن الكون، الذي يعمل بشكل جبري، وفق قوانين الميكانيك النيوتني، ولكن بعد أن قام مبدأ اللايقين والثورة الكمية بإسقاط الجبرية، أعلن العديد من المؤلفين ”نهاية المادية“ في مساواة غير منطقية بين المادة والماكنة. ومع فجر عصر الحواسيب، أصبح ‘العالم كحاسوب‘ وخصوصا كحاسوب كمي، هو المجاز الجديد حول الطبيعة.
لقد اقترح بعض المؤلفين أن المادة الحقيقية التي يعمل بها الحاسوب ليست هي المادة matter بل المعلومات. وقد قفز اللاهوتيون على عربة ’مضاد المادة‘، ولكن تصادمها مع المادة ضمن النموذج القياسي لا ينتج ضوءا كافيا. فحتى الحواسيب الكمية تتكون من مادة، وإن حاسوبا كميا كونيا يتركب من جسيمات أساسية يبدو أن يوفر مجازا مفيدا لكيفية تطور الكون المعقد الذي نعيش فيه، بشكل طبيعي خلال 13,7 بليون سنة من بقعة أصلية من الفوضى تمتلك أقل حد من المعلومات.
  • الإرادة الحرة، الأخلاق، والعدالة
عادة ما يفترض أنه إن كان العقل ظاهرة مادية بالكامل، فليس للبشر أي إرادة حرة. وهذا بالطبع يحيل العقيدة الدينية الأساسية عن الخطيئة والتوبة إلى حطام. ورغم ذلك، فبالإمكان تصور نوع من الإرادة الحرة بما أن قراراتنا الفردية تظل قائمة على تجارب حياة واحدة، تختصّ كلاً منا بشكل فريد.
يفترض المؤمنون بإله، دون تردد، أنه مصدر الأخلاق وأن المجتمع سيكون خبيثا، منحرفا، فاسدا ومتهتكا ما لم يقم الله بدعم تقواهم. وهذا يتناقض تماما مع الحقيقة المشاهدة: أن الأكثرية الساحقة من غير المؤمنين ليسوا خبثاء، منحرفين، فاسدين أو متهتكين، في حين أن نسبة لا تهمل من المؤمنين هم كذلك.
يمكننا جميعا أن نرى أن العالم ليس مكانا عادلا، فالأشرار كثيرا ما يزدهرون في حين يكدح الأخيار. وإن كان المرء مؤمنا بالعدالة اللانهائية، فإن عدالة كهذه لن تجيء إلا في الحياة الآخرة. ولسوء الحظ، لا يوجد لدينا سبب للإيمان بعدالة نهائية إلا أمانينا النقية.
إن الأصول الطبيعية للأخلاق هي اليوم مساحة واسعة للدراسة، ويتوفر حولها اليوم تنويعة طيبة من الأدبيات. وفي حين يقترح بعض المؤلفين نماذج تطورية، تقودنا أسباب مقنعة للاعتقاد بأن البيولوجيا البشرية تمر اليوم بمرحة بعد-تطورية، يمكننا فيها استخدام قدراتنا الفكرية لتطوير قوانين للسلوك تهدف لتعظيم الرفاه لدى الجميع. أما النماذج التي لم تحقق ذلك تماما فمكانها إلى جانب الدين، بكل إصراره على شرائع خُلُقية عتيقة طُوِّرت في مجتمعات بدائية. ربما كان لها غرض ذات يوم، ولكن ليس الآن بالتأكيد.
  • اللاهوت الحداثي
في حين يظل جمهور المؤمنين الدينيين متمسكين بالأفكار التقليدية عن الله بوصفه حاكم الكون، يسعى اللاهوتيون الحداثيون خلف نماذج مختلفة عن الله هي أكثر اتساقا من النتائج العلمية في التطور والكونيات والآثار، إضافة لسائر التطورات في الفلسفة واللاهوت.
فقد هاجم البعض مشكلة الفعل الإلهي في ضوء غياب الأدلة على المعجزات التي قد يتوقع أن تظهر بين حين وآخر كنتيجة لتلك الأفعال. ولكن محاولات استغلال ميكانيك الكم ونظرية الشواش لتوفير وسيلة يتصرف عبرها الله في العالم دون أن يتم اكتشافه لم توصل لنتائج مُرضية، خصوصا وأن هذا المنظور يبدو أنه يقودنا إلى نوع جديد من الإله الربوبي، إله يلعب النرد مع الكون. ومهما حاول اللاهوتيون المسيحيون، فلن يستطيعوا التوفيق بين هذا النموذج والتعاليم المسيحية التقليدية. وإضافة لذلك، فلماذا يرغب إله لطيف في أن يختفي عن مخلوقاته بحيث لا ينال أبدية من النعيم إلا ذوو الذكاء المحدود الذين يؤمنون دون تساؤل؟
رؤية أخرى يقودها اللاهوتيون البروتستنت الليبراليون هي أن الله يجب أن لا يعتبر كائنا فوق طبيعي خارج الزمان والمكان، بل كائنا موجودا في كل مكان وكل من الزمان والمكان. وهم يدّعون أن الطرق التي توصلوا بها إلى هذا النموذج تشبه إلى حد لصيق المنهج العلمي. وبالخصوص، فهذا النموذج يقوم على البيانات، وهي هنا التجربة البشرية، والنظرية، وهي تفسير هذه البيانات. ولكن، إن كانت الحال هذه، فهذا الإجراء يختلف عن المنهج العلمي في أنها كلما خضع للاختبار، كما في تجارب الدعاء، أو الخبرات الدينية، فقد فشل بانتظام. وحين يحدث ذلك في العلم، يتم رفض الفرضية قيد الاختبار. وهذا ما لم يحدث يوما في الدين، أقله كنتيجة مباشرة للاختبار.
إن حفاظ بعض العلماء على تديّنهم إنما يعود لتقسيم تفكيرهم. فالدين يقوم على الإيمان—بمعتقدات لا أساس لها في الأدلة أو العقل. الإيمان بلاهة. والإيمان فشل. فهو الضدّ الخاص للعلم. ولهذا، في النهاية، فالدين والعلم يظلان للأبد غير متوافقين من الأساس.


الثلاثاء، ديسمبر 17، 2013

إن الاقتباس الشهير لآينشتاين لم يعني ما تعلمته من قبل ..

فهو في الواقع لا يوفر أي عزاء للمؤمنين.


كان ألبرت آينشتاين من أشهر العلماء في عصرنا الحالي، ونظرا لذكائه الشديد، فإن آراءه حول الموضوعات غير العلمية كثيرا ما تعد فوق مستوى الجدل. وأحد أشهرها هو تصريحه الذي كثيرا ما يقتبسه المتدينون ومدّعو التوافق بين الإيمان والعلم. وهو يعود لمقال آينشتاين "العلم والدين،" المنشور عام 1954.
"العلم من دون الدين أعرج، والدين من دون العلم أعمى."
يستخدم هذا الاقتباس بوفرة لإثبات تدين آينشتاين وكذلك إيمانه بالتوافق—بل والتكامل المشترك—بين العلم والدين. ولكنه نادرا ما يذكر ضمن سياقه، وحين ترى السياق ستكتشف أن هذا الاقتباس يفترض أن لا يوفر أي سلوان للمؤمنين. ولكن دعني في البداية أثبت كيف أن آينشتاين، في نفس المقال، يقترح ما يعدّ جوهريا نفس صياغة ستيفن جاي غولد عن NOMA (الاختصاصات غير المتداخلة). لقد كانت فكرة غولد (التي من الواضح أنها ليست أصيلة) أن الدين والعلم متناغمان، نظرا لأنهما يمتلكان مهمتين مستقلتين إنما مكمّلتين لبعضهما: فالعلم يساعدنا على فهم التركيب المادي للكون، في حين يتعامل الدين مع القيم، الأخلاق، والمعاني الإنسانية. هذه هي صياغة  آينشتاين (مع توكيدي) :
لن يكون من الصعب أن نصل إلى اتفاق حول ما نفهمه من خلال العلم. فالعلم هو السعي عبر القرون لتجميع الظواهر المدركة لهذا العلم عن طريق التفكير النظامي في ترابطات هي أعمق ما يكون. أو بصياغة جريئة: هو إعادة بناء بَعدية a posteriori للوجود من خلال عملية التصور.
… وبالمثل، فالشخص المتدين يتصف بالتقوى، بمعنى أنه لا شك لديه في أهمية ورفعة هذه الأشياء والأهداف فوق الشخصية التي لا تتطلب أو تقدر على التأسيس العقلاني. فهي موجودة بنفس مستوى الضرورية والواقعية الذي لوجوده شخصيا. وبهذا المعنى، فالدين هو السعي الإنساني عبر العصور لأن نكون واعين بوضوح وكلية لتلك القيم والأهداف، ولأن نقرّبها ونوسّع تأثيرها بكل ثبات. لو أن المرء تصور العلم والدين وفقا لهذه التعريفات فإن الصراع بينهما يبدو مستحيلا، ذلك أن العلم يستطيع فقط التأكد مما يكون، وليس مما يجب أن يكون، وخارج هذا المجال فإن الأحكام القيمية من كل الأنواع تبدو ضرورية. أما الدين، من جهة اخرى، فيتعامل فقط مع تقييمات الفكر والفعل البشري: ولا يمكنه أن يتحدث بشكل مبرر عن الحقائق والعلاقات فيما بينها. ووفقا لهذا التفسير فإن الصراعات المعروفة بين الدين والعلم يجب أن تنسب جميعا إلى سوء فهم للحال التي وصفت توا.
على سبيل المثال، فإن الصراع يتصاعد حين تصر جماعة دينية على الحقانية المطلقة لكل العبارات المدونة في كتابها المقدس. مما يعني تدخلا من جانب الدين في فضاء العلم، وإليه ينتمي نضال الكنيسة ضد اعتقادات غاليليو وداروين. ومن جهة أخرى، فكثيرا ما حاول ممثلو العلم التوصل إلى أحكام أساسية فيما يخص القيم والأهداف على أساس المنهج العلمي، جاعلين أنفسهم بهذا في مواجهة الدين. وكل تلك الصراعات إنما نبعت من أخطاء قاتلة.
رغم هذا التقارب اللصيق مع آراء غولد في كتابه الصادر عام 1999 صخور الأزمنة، فإن غولد لا يذكر  آينشتاين ولا هذه الفقرة من كلامه. ولكن كلا الرجلين كانا مضللين في اقتراحهما أن هذا التكتيك سينجح في المواءمة بين الدين والعلم.

لماذا؟ أحد الأسباب هو أنهما قد تضمنا الأهداف والقيم البشرية بكل ثقة في اختصاص الدين، مهملين بالكامل عشرين قرنا من الأخلاقيات العلمانية ابتداءً من قدماء الإغريق. والدين ليس بالتأكيد مصدرا وحيدا، بل ليس مصدرا جيدا أصلا، لكيفية التصرف أو البحث عن المعنى في حياتنا. كما يخطئ   آينشتاين حين يزعم أن الدين يتعامل "فقط مع تقييمات الفكر والفعل البشري"، إذ يتجاهل حقيقة ملموسة هي أن العديد من الأديان تهتم أيضا بـ عبارات الحقيقة—كالعبارات حول وجود الله، أي نوع من الآلهة هو، ما الذي يريد منا فعله، إضافة إلى كيف وصلنا إلى هنا وإلى أين نذهب حين نموت. وبالفعل، فإن آينشتاين في الفقرة الثالثة يلاحظ أن للدين فعلا صلة بعبارات الحقيقة، وبالتالي ففي تعريفه خلل واضح.

لقد التف غولد حول هذا الالتباس ببساطة عبر ادعاء أن الأديان التي تطلق عبارات الحقيقة—متجاوزة بذلك على فضاء العلم—لم تكن أديانا سليمة. ولكن حيلة كهذه بالطبع تتخلى عن معظم المؤمنين في العالم، لأن معظم الأديان، بما فيها الإبراهيمية، تطلق ادعاءات حول كيفية تنظيم الكون. ولن ينفع أن يتم تعريف الدين بطريقة تستثني جمهرة المؤمنين.

وهكذا فإن لدي إشكالا مع توفيقية آينشتاين (وغولد). فالرجل كان فيزيائيا عظيما، لكنه لم يكن معصوما، ومما يدهشني أن أرى الناس يقتبسون أطروحاته غير العلمية كما لو كانت عصية على الدحض. فالخبير في الفيزياء ليس بالضرورة حجة في الفلسفة.

أما بالنسبة للاقتباس الشهير أعلاه، فإليك به ضمن السياق (مع توكيدي):
رغم أن الدين ربما يكون ما يحدد الهدف، فقد تعلّم مع ذلك من العلم، بمعناه الأرحب، أيّ وسيلة ستساهم في التوصل للأهداف التي قررها. ولكن العلم لا يمكن أن يخلقه إلا المفعمون بحقٍّ بالطموح نحو الحقيقة والفهم. ولكن مصدر الشعور هذا إنما ينبع من فضاء الدين، وإليه أيضا ينتمي الإيمان باحتمال أن تكون التنظيمات الصحيحة في عالم الوجود عقلانية، أي مقبولة لدى العقل. لا يمكنني التفكير في أي عالم أصيل يخلو من ذلك الإيمان العميق. ويمكن لهذه الحالة أن يعبّر عنها بصورة: العلم من دون الدين أعرج، والدين من دون العلم أعمى.
لا خلاف عندي مع هذه المساهمة المفترضة للعلم في الدين: مساعدته على اختيار طرق لتحقيق أهداف المرء. ولكن آينشتاين يهمل مساهمة أخرى للعلم في الدين: تفنيد عباراته عن الحقيقة. وأي دور كان لداروين في ذلك!

ولكن آينشتاين يخطئ من جديد عبر ادعاء أن "الطموح نحو الحقيقة والفهم … ينبع من فضاء الدين". فلعله يتصور "الدين" هنا كشكل من الفضول العميق حول الكون الذي يتجاوز الفرد. لكنه بالتأكيد لا يرى الدين كما يفهمه معظم الناس. لماذا لم يقل فقط أن لدى بعض الناس فضولا لا يشبع نحو اكتشاف الأشياء؟ لماذا كان عليه أن يعد ذلك الفضول شكلا من "الدين"؟ إن هذه التسوية هي ما يتسبب في تشويش مستمر حول اعتقادات آينشتاين. فهل كان شديد التوق لمجاملة المؤمنين إلى درجة إعادة تعريف "الدين" كدهشة غير مؤمنة؟ أو هل كان حقا مؤمنا بوحدة الوجود، يعبد الطبيعة بوصفها الإله؟ ليس الأمر واضحا.

ولكن الواضح من كتابات آينشتاين حول الدين والعلم، هو أنه لم يكن يعتقد بإله شخصي، وكان يرى الدين المؤلِّه خيالا من صنع البشر. ففي رسالة كتبها عام 1954، لم يدع مجالا للتردد (مترجما عن الألمانية الأصلية):
إن كلمة "الله" ليست بالنسبة لي أكثر من تعبير ونتاج للضعف البشري، والكتاب المقدس ليس سوى تجميع من الأساطير المعتبرة، إنما البدائية الخالصة، وهي مع ذلك طفولية جدا. ما من تفسير، مهما كان دقيقا، سيغير ذلك في نظري.
وبالفعل، فإن الفقرة الأخيرة من مقاله المنشور عام 1954 تثبت أن إيمانه ليس في اللاملموس، بل في العقلانية:
كلما أبعد التطور الروحي للإنسانية في التقدم، ازداد في نظري اليقين بأن الطريق إلى التدين الخالص لا يكمن في الخوف من الحياة، والخوف من الموت، والإيمان الأعمى، بل في السعي خلف المعرفة العقلانية. وبهذا المعنى فأنا أعتقد أن على الكاهن أن يصبح معلّما لو شاء الإنصاف في مهمته التربوية الرفيعة.
ختاما، فأنا أعترض على عبارة آينشتاين حول أن قيمة العقل في فهم العالم هي شكل من "الإيمان العميق". فكما كتبت في مجلة Slate، فإن ذلك يبعث على التشوش لأن المعنى الديني للإيمان هو "اعتقاد ديني راسخ دون أدلة مؤسسة"، في حين أن إيمان العالم بقوانين الفيزياء هو ببساطة مختصر لـ "الثقة الشديدة، بناءً على أدلة وتجارب مكررة، حول ماهية الأشياء". إضافة لذلك، فنحن لا نؤمن بالعقل: بل نستخدم العقل لأنه يساعدنا في اكتشاف الأشياء. وهو في الواقع الوسيلة الوحيدة التي حققنا عبرها أي تقدم في فهم الكون. ولو ثبت أن لطرق أخرى أي قيمة تذكر، كالكشف الشخصي أو ألواح ويجا، لكنا سنستخدمها أيضا.

رغم أن آينشتاين لم يؤمن بالإله المتعارف، فإن تفسيره للتوافق بين الدين والعلم قد أسيء فهمه على نطاق واسع، وبعض ذلك يعود لخطأه هو. فما كان يجب أن يقوم به هو التخلي عن كلمة "الإيمان" لصالح "الثقة النابعة من الخبرة" ثم لا يحاول ادعاء أن الفضول والدهشة تجاه الطبيعة هي أحد أشكال الدين. إن ذلك التشويش (أو ربما عدم دقة التعبير) هو ما قاد إلى سجال مطول وإساءة تمثيل لما كان آينشتاين يعتقد به حول الإله والدين.

دعني إذن أعيد صياغة عبارة آينشتاين الشهيرة في هيئة أظن أنه كان يقصدها:
العلم دون فضول عميق لن يذهب لأي مكان، والدين من دون العلم تلحقه إعاقة مزدوجة.
إعاقة مزدوجة، بالطبع، لأن الأديان المؤلّهة تستند إلى كائن فوق طبيعي لكنه خيالي، وتتعقد إعاقتها حين ترفض نتائج العلم. في النهاية، فإن اقتباس آينشتاين الشهير يجب أن لا يوفر أي عزاء—أو عتاد—للمؤلهين: لأن آينشتاين لم يرى "الدين" بوصفه ألوهيا. ولكني أتمنى لو كان قد كتب بوضوح أكثر قليلا، فكّر بوضوح أكثر قليلا، أو ربما تجنب بالكامل مناقشة العلاقة بين العلم والدين. فهو في هذا الموضوع أقل تماسكا من العديد من الفلاسفة، بل والعديد من العلماء. لقد كان آينشتاين، لكنه لم يكن إلها.

المقال الأصلي:http://www.newrepublic.com/node/115821

الاثنين، يوليو 09، 2012

كيف يقدم بوزون هيغز قصة جديدة لخلق الكون ــ لورنس م. كراوس

لم يكن الاسم الذي أطلقته وسائط الإعلام على جسيم هيغز، الذي يعتقد أنه اكتُشف هذا الأسبوع، ليكون أكثر تضليلا. وهنا يشرح لنا لورنس م. كراوس كيف يمكن لهذا الجسيم أن يتخلص في النهاية من فكرة خالق فوق-طبيعي. 

 

لقد شهدنا ضجة كبيرة منذ إعلان المركز الأوربي للبحوث النووية (CERN) يوم 4 يوليو (تموز) أن التجربتين الكبريين في مصادم الهادرون الكبير قد كشفتا عن أدلة لصالح جسيم أساسي جديد. والجسيم المقصود يبدو أنه جسيم هيغز، الذي كان العلماء يسعون خلفه منذ حوالي 50 عاما، وهو اليوم في قلب أفضل نظرياتنا الحالية عن الطبيعة. ولكن الإثارة الحقيقة يبدو أنها تكمن في حقيقة أن هذا الاكتشاف المنتظر طويلا، كثيرا ما يُدعى في الأوساط العمومية "جسيم الرب". ظهر هذا المصطلح لأول مرة في عنوان سيئ الحظ لكتاب ألفه الفيزيائي ليون ليدرمان قبل عشرين عاما، وفي حين  أنه ما من عالم (بما في ذلك ليدرمان) استخدمه قبل ذلك أو بعده، فقد أسر خيال وسائل الإعلام.

وقف العلماء في المركز الأوربي للأبحاث النووية، مبتهجين للاكتشاف
المحتمل لجسيم أساسي. (Denis Balibouse / AFP-Getty Images)

إن ما يجعل هذا المصطلح بالخصوص سيئ الحظ هو أنه لا يمكنه أن يكون أكثر بعدا عن الحقيقة. فلو افترض أن الجسيم المقصود هو بالفعل جسيم هيغز، فهو يشرّع لثورة غير مسبوقة في فهمنا للفيزياء الأساسية ويقرّب العلم من القضاء على الحاجة لأي تخاريف فوق-طبيعية في طريق العودة إلى بداية الكون—وربما حتى قبل تلك البداية، إن كان هناك قبل. فهذه الفكرة الصادمة تتنبأ بمجال غير مرئي (هو مجال هيغز) يتغلغل في كل الفضاء، وتقترح أن خصائص المادة، والقوى التي تحكم وجودنا، هي مشتقة من تفاعلها مع ما قد يبدو فضاء خاليا. لو كانت قيمة أو طبيعة مجال هيغز مختلفة، لأصبحت خواص الكون مختلفة، ولم نكن موجودين هنا نتساءل عن السبب. إضافة لذلك، يؤيد مجال هيغز فكرة أن فضاء يبدو فارغا قد يحمل بذور وجودنا. وهذه الفكرة تقع في صميم أجرأ تنبؤات علم الكونيات، أعني بذلك التضخم Inflation: التي تقترح أن نوعا مشابها من مجال الخلفية كان قائما بالفعل في اللحظات الأولى للانفجار الكبير، وهو ما دفع بمنطقة مجهرية الحجم للتمدد إلى أكثر من 85 مرتبة عشرية في كسر من الثانية، وبعد ذلك تحولت كل الطاقة التي احتواها هذا الفضاء الفارغ إلى المادة والإشعاع اللذين نراهما اليوم. يطلق ألان غاث، مؤصل هذه النظرية، عليها اسم "أعظم غداء مجاني!"

صورة مولدة حاسوبيا قدمتها CERN، يظهر فيها
الحدَث ’المرشح الاعتيادي‘ (Courtesy of Cern)

لو استمدت هذه الأفكار الجريئة، أو العنيدة كما يسميها البعض، الدعم من النتائج الرائعة في مصادم الهادرون الكبير، ففي وسعها أن تؤيد احتمالين غير مريحين نظريا: الأول، أن العديد من صفات هذا الكون، بما في ذلك وجودنا، قد تكون عواقب تصادفية للظروف التي حفت مولد الكون؛ والثاني، أن خلق "شيء" من "لاشيء" لا يبدو أنه مشكلة على الإطلاق—فكل ما نراه ربما يكون قد نشأ كجشأة كمية في الفضاء بلا هدف أو ربما جشأة كمية للفضاء ذاته. ربما خطا البشر، بأدواتهم الرائعة وأدمغتهم الأروع، للتو خطوة جبارة نحو استبدال التخمين الماورائي بالمعرفة المثبتة تجريبيا، إذ يمكن القول أن جسيم هيغز هو الآن أكثر أهمية من الله.

لورنس م. كراوس هو مدير مشروع أوريجنز بجامعة ولاية أريزونا. وأحدث كتبه هو "كون من لا شيء" (Free Press, 2012).

الخميس، يناير 05، 2012

عن الهند والحضارة والقيم الغربية ــ ابن الوراق

هناك قصة حول المهاتما غاندي منتشرة منذ سنوات. فبعد أن أخذ لجولة في بريطانيا العظمى، سُئل في البرلمان عن رأيه في الحضارة البريطانية. وأجاب غاندي: ربما تكون فكرة جيدة. يصعب تتبع مصدر هذه القصة وقد تكون مختلقة. ومع ذلك، فهذا الرد—الذي يبدي دعابة قليلة وحكمة أقل—يلخص ببلاغةٍ الجحود، النفاق، التعجرف، وعدم الفهم لدى غاندي.

كانت فلسفة اللاعنف لدى غاندي فعالة مع البريطانيين تحديدا لأنهم كانوا غير ميالين لاستخدام العنف المفرط ضد مواطنين عزل. ولهذا فقد تصرفوا بشكل متحضر، وخرجوا. هل كانت تكتيكات غاندي لتنفع مع النازيين؟ وبالإضافة، فإن الانسحاب البريطاني من الهند أعقبه العنف، حيث ذبح المسلمون الهندوس وبالعكس. نيراد تشودري، وهو مثقف هندي، أنحى باللوم دوما على غاندي. "عندي أن كل مطالبات غاندي [للحكومة البريطانية] لم تبدو متطرفة فقط، بل أيضا قاسية ولاعقلانية،" يكتب تشودري. "لقد بدا لي أن إيديولوجيته بكاملها كان يدفعها قرار بهجران الحياة المتحضرة والعودة إلى حياة بدائية." (1)

ماذا عن حضارتك الهندية ذاتها، يا سيد غاندي؟ لقد منع البريطانيون مظهرا واحد لها، وهو عادة الساتي، حيث كانت الأرملة الهندوسية تجبر على حرق نفسها على كومة زوجها الجنائزية. وكذلك منع البرتغاليون والفرنسيون لاحقا والهولنديون هذه الممارسة في مستعمراتهم الهندية. تعبير مخزي آخر عن الحضارة الهندية، وهو نظام الطبقات المشين، لا يزال فعالا حتى اليوم، مانعا الملايين من حقوقهم الإنسانية، حتى بعد خمسة وستين عاما من تحريمه قانونيا.

ماذا عن عنصريتك أنت، سيد غاندي؟ في انتقاد غني بالتوثيق، يشير ج.ب. سينغ إلى أنه خلال حروب الزولو في جنوب أفريقيا، كان المهاتما يحض الهنود على إظهار الحمية الوطنية بقتل السود. "غاندي متشوق جدا ليرى الهنود في حرب ضد السود،" يكتب سينغ. "فبعد كل شيء، يخبرهم بصراحة أنهم أيضا توسعيون ضد السود، ولهذا فوقوفهم كتفا لكتف مع رفاق التوسع البيض هو تقدم طبيعي." (2)

وإلى ماذا يسعنا أن ننسب الإخفاقات الفاضحة في الهند اليوم؟ ففي 2007، أعلن البنك الدولي أن 80 بالمئة من سكان الهند الـ1,1 ملياراً يعيشون على أقل من دولارين يوميا—وهذا يعني أن أكثر من ثلث فقراء العالم يعيشون في الهند. (3) وبعد عامين، قدّرت منظمة الصحة العالمية أن "حوالي 49 بالمئة من أطفال العالم ناقصي الوزن، 34 بالمئة من أطفال العالم المتقزمين، و 46 بالمئة من أطفال العالم المهزولين" يعيشون في الهند، رغم التقدم المثير للإعجاب في الاقتصاد الإجمالي. (4) وجد مؤشر الجوع العالمي "أن معدلات ’خطرة‘ من الجوع تستمر في الولايات الهندية التي أظهرت معدلات تحسد عليها من النمو الاقتصادي في السنوات الأخيرة، بما فيها مهاراشترا وغوجرات." (5) تملك الهند حاليا أكبر تعداد سكاني للأميين في أي أمة على الأرض. والعنصرية وإدمان المخدرات منتشرة وفي تنامي. (6) يمكن للمرء حتى أن يقترح أن الحضارة الهندية قد تكون فكرة جيدة.

إن نبذ غاندي للبريطانيين بازدراء تفنده وقائع على الجانبين—من المستعمـِرين والمستعمـَرين. فعند مغادرتها، تركت بريطانيا الهند وفيها حكومة برلمانية منتخبة تحيا حتى يومنا هذا، وهي دلالة أكيدة على أن الديمقراطية قد زرعت بعمق في الفكر السياسي الهندي. والدستور الذي صاغه الهنود تضمن لائحة حقوق مشتقة من الدستور الأمريكي، مستخدما حتى بعض المصطلحات المطابقة—وهو ميراث بريطاني غير مباشر. تضمن الإرث البريطاني حكم القانون: وفي الحقيقة، أن كامل النظام القانوني الذي قدموه على مر السنين بقي دون تغيير. لقد بني على يد اللورد ماكولاي، الذي موهبته "وهبت الحياة للهند الحديثة كما نعرفها،" وفقا للمؤرخ الهندي ك.م. پانّيكار. (7) لقد ورثت الهند أيضا آلية إدارية على الطراز البريطاني، وهي الخدمة المدنية الهندية طاهرة السمعة، لتتحمل أعباء الحكومة في بلد كبير يحوي أديانا ولغات شتى.

ترك البريطانيون الهند بأطباء، معلمين، مهندسين، وحرفيين حسني التعليم، وبنية تحتية من سكك الحديد، الطرق، الجسور، ونظم الري، إضافة إلى المعمارية الڤكتورية المتميزة. واللغة الإنجليزية تمكّن هنديا من الجنوب لغته الأم هي التاميل من التخاطب مع آخر من دلهي يتحدث الهندية أو البنجابية. إن إجادة الإنجليزية تسمح للهند بأخذ مكانها في الاقتصاد العالمي اليوم. كما كانت هناك هبات روحية أيضا: فالباحثون البريطانيون وغيرهم من الأوربيين أعادوا للهند تاريخها وثقافتها. بفضولهم الفكري العصي على الإشباع، كتب البريطانيون حول كل جانب من الحياة، الأدب، الفلسفة، الدين، اللغة، الفن والمعمارية في الهند. لا تزال دراساتهم موقرة ويتم تدريسها لكل تلميذ هندي. كانت الحضارة البريطانية حقا أكثر من فكرة جيدة، بل نعمة عظيمة.

كثير مما أصبح عظيم القيمة لدى الأمم الخارجة من عصر التوسع قد ورثه لهم البريطانيون والقوى الأوربية الأخرى. ولكن عديدا من الأكاديميين الغربيين، مع بعض مثقفي العالم الثالث، يدّعون أن الغرب قد أخذ من العالم أكثر مما ساهم فيه، وأن نجاحه المادي قد تحقق على حساب الآخرين. تتم مضايقة القادة الأوربيين من أجل الاعتذار دائما عن خطايا الغرب. ويعد "أوربي التوجه" أو عنصريا أن يؤكد على أن الغرب متفوق على الثقافات الأخرى؛ وبدلا منه، يتم تشجيعنا على ترديد أن الحضارة الأوربية منقوصة ثقافيا، فكريا، وروحيا. ولكننا نعرف أن هذه مجرد سفاسف.

يناقش هذا البحث أن الحضارة الغربية جيدة للعالم. سوف أخطط مثالا أخلاقيا بالاستناد على مجموعة خاصة من القيم من تاريخ الغرب—قيم صريحة ومضمرة معا في الديمقراطيات الليبرالية الغربية، متجسدة في ذلك المستند الرائع، دستور الولايات المتحدة الأميركية. يمكننا تتبع هذه المثل رجوعا إلى الكتاب المقدس والعتاقة الإغريقية. قد يتتبع فاشي أو شيوعي أيضا مبادئه هو رجوعا بالزمن إلى اليونان القديمة، ربما إلى إسبارطة بدلا من أثينة. ولكن انتصاري لفرع مختلف من ميراثنا الغربي ليس اعتباطيا ولا ذاتيا: فالترتيبات السياسية والاجتماعية في الغرب في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين تدل على أننا وصلنا لحد معين من الاتفاق على المبادئ التي أنتجت الاستقرار والازدهار الذي تمتعنا به منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

بين أهم هذه المبادئ تقف حرية الفعل Liberty والكرامة الفردية. ولكن حرياتنا تؤخذ أحيانا كمسلّمات؛ إذ ننسى أن علينا حمايتها لئلا تختفي دون انتباهنا حتى فوت الأوان. قد لا ندرك كم خطيرة هي التهديدات لقيمنا الأساسية، من قبل أعدائنا الأجانب والاسترضاء التعدد-ثقافي في الوطن. كما قال آندرو جاكسون، "إن الحذر الأبدي للشعب هو ثمن حرية الفعل." (8) في هذا الكتاب، أقترح طرقا لنكون حذرين وأقدم بعض الأدوات للدفاع عن الحضارة الغربية من الأخطار التي تواجهها.

المصدر:


Why the West is Best: A Muslim Apostate's Defense of Liberal Democracy, Ibn Warraq, 2011.

الهوامش:

(1) Nirad C. Chaudhuri, Thy Hand, Great Anarch! India 1921–1952 (New York: Addison-Wesley, 1987), p. 28.
(2) G. B. Singh, Gandhi: Behind the Mask of Divinity (Amherst, N.Y.: Prometheus Books, 2004), pp. 102–3.
(3) Alison Granito, “80% of Indians live on less than $2 a day: WB,” LiveMint.com and Wall Street Journal, October 16, 2007.
(4) “India has highest number of underweight children,” Indian Express, April 14, 2009.
(5) Somini Sengupta, “As Indian Growth Soars, Child Hunger Persists,” New York Times, March 13, 2009.
(6) India has an estimated 70 million drug addicts and the number is rising as the problem spreads to semi-urban and backward areas, according to official figures. A source from the Ministry of Social Justice and Empowerment said, “Drug and alcohol abuse is becoming an area of concern as this is increasing while traditional moorings, social taboos, emphasis on self-restraint and pervasive control and discipline of the joint family and community are eroding.” See “Over 70M drug addicts in India,” SiliconIndia, May 4, 2006.
(7) Geoffrey Moorhouse, India Britannica (London: Paladin, 1986), pp. 19, 196–97.
(8) Robert V. Remini, Andrew Jackson (New York: Harper Perennial, 1999), p. 217.

الأربعاء، يناير 04، 2012

حول نصوص توشيحية مسيحية قبل إسلامية في القرآن -- الحلقة 4

(ج) حول الشكل الأدبي للأنواع المختلفة من النص القرآني.

نصوص القرآن الإسلامية بقول ثاني وبقول واحد إنما صممت أصلا ثم تم تسليمها كنصوص نثرية. في نصوص القول الثاني، كنتيجة لإهمال أو إسقاط الإيقاعات الداخلية لما كان يوما توشيحة مسيحية، تكون نوع من الشعر أو الجملة بحيث استخدم له مصطلح "نثر قرآني مقفى" في الدراسات الغربية؛ والنصوص القرآنية اللاحقة، بقول واحد في الأصل، تستغل هذا النوع من النثر القرآني المقفى المبكر. فمنذ عهد رد-التفسير الإسلامي وإلغاء التراتيل التوشيحية، أصبحت كل آية نثر أو جملة قرآنية تقفى بكلمتها الأخيرة، رغم بُعد هذه الكلمة الآن عن الآيات والجمل النثرية الطويلة المحيطة بها، سابقة كانت أو لاحقة؛ فقد أصبحت الآيات طويلة ورتيبة بسبب إلغاء الإيقاع الداخلي. وفي أحدث النصوص بقول واحد هذه، أصبحت الجمل طويلة إلى درجة أنه، رغم انتهاء كل منها بكلمة مقفاة بعيدة، يصعب على المرء الحديثُ بعد الآن عن تأثير قافية.

وهذا يستبطن حقيقة أن النصوص المسماة إيقاعية من القرآن ليست شكلا أصيلا من الفن الشعري، بل تقنية شاذة تطورت من الإطاحة بالشعر التوشيحي المسيحي المتعقد، ومن ضرورة التعمية على التركيب التوشيحي للتراتيل المسيحية.

كنتيجة لهذا البحث، يعتقد لولينغ أن مساواة المصطلحين "نثر مقفى" و "سجع" التي تمت هنا وهناك في الدراسات الغربية، يجب التخلي عنها. فالسجع هو جملة طويلة، تلفظ بتشديد الحروف، يقولها عادة عراف وثني، وتتكون من أجزاء مقطعية قصيرة جدا، نهاياتها غير مرتبة كي تقفى وفقا لوزن شعري أو توشيحي، رغم أن السجع يتضمن الجناس وكذلك قوافي مبعثرة دون نظام.

في القرآن يظهر السجع فقط كنص إسلامي بقول واحد، كثيرا ما يوضع قبل أو بعد طبقة أساسية توشيحية مسيحية سابقا، قد طبع عليها تفسير إسلامي جديد. بما أن لولينغ ينسب النصوص بقول واحد إلى محمد، وأنها تتخذ عادة شكل سجع الكهان، فهو يرى في هذا توكيدا لأطروحته أن الحركة البد-إسلامية التي قادها النبي قد كانت واقعا حركة للابتعاد عن المسيحية الغربية، الهيلينية، التثليثية الإمبراطورية، تجاه الدين القبلي البد-سامي، المرموز له بأسلافه إبراهيم وإسماعيل. إن استخدام النبي للسجع قد يفسر لماذا عده معارضوه المكيون، الذين يعدهم لولينغ مسيحيين تثليثيين، كاهنا أو عرافا. تلك المقاطع القرآنية التي تحمل على الشعراء، مثل الشعراء: 224-226، سيتم نسبتها إلى الإنذار المسيحي القب-إسلامي ضد الوثنيين من أهل الكروم المقدسة والأماكن المقدسة، والذين تضمنوا، بكل تأكيد، العرافين الوثنيين.

(د) حول النواحي اللغوية للنصوص المختلفة في القرآن.

ينتج التحليل اللغوي لدى لولينغ لنصوص القرآن المختلفة نتيجة أنه رغم حقيقة أن القرآن الرسمي مكتوب بما يسمى عادة العربية الرفيعة أو الكلاسية، فهو في الواقع يتضمن أربع أنواع أو معايير من العربية، إلى حد إمكانية التمييز بينها، تتبع بعضها بعضا في الزمن، ويمكن تسميتها بالطبقات اللغوية.

(1) الطبقة اللغوية العربية الأقدم هي لغة التراتيل التوشيحية المسيحية سابقا. هذه العربية، وهي بحد ذاتها عامية مثقفة جدا، تختلف بشكل ملحوظ وفي عدة جوانب عن العربية الكلاسية الرفيعة. فأولا، نهايات الأسماء الإعرابية ونهايات الأفعال الزمنية إما مفقودة، أو تظهر اعتباطا لتملأ فراغات في إيقاع أبيات الموشح، ولتخدم كنهايات إيقاعية ثانوية؛ وكل ذلك دون عناية بالصواب النحوي لنهايات كهذه.

بالفعل، فكثيرا ما يبدو أن مؤلف الإيقاع يسيء استخدام النهايات النحوية الكلاسية عمدا ومزاحا كآلية شعرية ماهرة. وهذا مظهر للشعر الشعبي والعامي في لغات عدة، ويستبطن الشكل الأدبي للشعر التوشيحي القب-إسلامي. ولكن هذه اللغة العامية إنما المثقفة لا تختلف عن العربية الكلاسية الرفيعة في نحوها فحسب، بل أيضا معجميا في مفرداتها. فإضافة إلى الفرق المتوقع في اختيار ومعاني الكلمات بين العامية والكلاسية، فهناك الكثير من الكلمات السامية التي تدخلت في عربية وسط العربية المسيحية القب-إسلامية، كما يسميها لولينغ، من الثقافات المسيحية السامية المجاورة، لاسيما من معاصراتها: الآرامية الكتابية، السريانية، والأقل تكرارا: العبرية. هذه الكلمات، رغم تفرعها من نفس جذر الكلمة السامي، قد تبنت خلال التطور طويل الأمد لهذه اللغات السامية المختلفة معاني مختلفة قليلا، وأحيانا معاني مختلفة من الأصل حتى.

في الخلاصة: إن لغة التراتيل المسيحية في الطبقة الأساس في القرآن هي نحويا عامية عربية، وفوق ذلك، لغة عامية قد لقحت معجمها بوفرة الثقافات المسيحية السامية المجاورة. ولهذا فإنه من شديد الأهمية للبحث في هذه التراتيل المسيحية البد-قرآنية أن يستخدم نحو المسيحية العربية المبكرة، (6) وأن تستشار كل المعاجم المتوفرة لكل الثقافات المسيحية السامية المجاورة.

(2) وتأتي ثانيا لغة نصوص القرآن بقول ثاني.

هذه اللغة ليست فعلا لغة بالمعنى السليم للكلمة، ولكن تصورا انتقائيا وفريدا للكلام بالنسبة للموقف، كنتيجة لمحاولة فرض تفسير جديد على نص مبهم إنما مصيري. إن الطبيعة الخطاءة لهذا الكم كانت ولا تزال معذورة دون إقناع، من قبل علماء القرآن المسلمين المستقيمين وكذلك من عدة باحثي إسلام غربيين، كنتيجة من الحالة الوجدية للنبي خلال مروره بالوحي. ولكن تفسير كيف انتقل هذا الكلام الوجدي، في الحال، إلى نص الكتاب، لا يزال مفقودا.

(3) واللغة الثالثة هي لغة الإيضاحات والتفسيرات التحريرية المبكرة، المقحمة أو المضافة إلى النصوص بقول ثاني، من أجل ربط التفسير الجديد بطبقة الرسم الأساسية المستبطنة للنص. هذه اللغة، مع تفضيلها المريب للتراكيب الاسمية بدلا من الفعلية، تشكل تناقضا صارخا مع اللغة المثقفة لكل من التراتيل المسيحية المستبطنة، وكذلك العربية الكلاسية قديمة وحديثة. تكشف هذه اللغة الاسمية غالبا بفقدانها للبلاغة عن هويتها كلغة للأميين؛ وعلى الأقل كلغة دون تاريخ أدبي مستقل يمكن التعرف به.

(4) اللغة الرابعة هي لغة النصوص بقول واحد المتأخرة والأخيرة. وهذا يعني، تلك النصوص الإسلامية أصلا التي لا ترتبط مباشرة أو بتوسط مع طبقة الرسم الأساسية المسيحية سابقا، ولكن تظهر تعقيدات مترابطة أكبر من نصوص نثرية في العربية الكلاسية. هذه اللغة، في اصطلاحاتها وتعقيدها النحوي، وفي مظهرها المتمكن وبالتالي الأنيق، يجب تمييزها تفصيلا عن اللغة المعرفة في الفقرة السابقة. بناء على معلومات ينقلها التراث الإسلامي، يستنتج لولينغ أن هذه اللغة لا بد أن تنسب إلى النبي نفسه، أو ربما أحد كتابه المثقفين المسؤولين عن تسجيل إملاءاته.

مع أنه بالنسبة للغات 1 و 2 و 3، مما لا يتطرق إليه السؤال أنها لا تمثل العربية الكلاسية الرفيعة ولا يفترض بها أصلا أن تُقرأ كذلك، لا يزال سؤالا مفتوحا إن كانت اللغة الرابعة والأخيرة قد قصد بها أن تقرأ كذلك، متضمنة الحالات الإعرابية.

يفترض لولينغ النفي، ولكن رغم تشويه ورد-تفسير محرري القرآن بعد محمد لهذه اللغة الأخيرة فهي، من جديد، لغة خلقت خصيصا لأجل الموقف. هذه اللغة الرابعة والأخيرة ليست اهتمام لولينغ الأكبر، حيث أنه مهتم أكثر بالكشف عن التراتيل المسيحية العامية في الطبقة الأساسية.


المصدر:


الهوامش:

(6) First and foremost that of Joshua Blau, A Grammar of Christian Arabic (Louvain, 1966), based mainly on South Palestinian texts of the first millenium.

الثلاثاء، يناير 03، 2012

حول نصوص توشيحية مسيحية قبل إسلامية في القرآن -- الحلقة 3

الأطروحة 2: وفقا لعبارة الأطروحة 1، فالنص المتسلم للقرآن يتضمن أربعة أنواع، أو طبقات، من النصوص. وهذه الطبقات الأربع هي:

الأولى، لأنها الأقدم تاريخيا، نصوص التراتيل التوشيحية المسيحية القب-إسلامية. وهذه تسمى "النصوص المسيحية سابقا."


الثانية، واللاحقة تاريخيا، نصوص التفسير الإسلامي الجديد المطبوع على الطبقة الأساسية من النصوص المسيحية سابقا. وهذه تسمى "النصوص القرآنية بقول ثاني."


الثالثة، والموازية تاريخيا للطبقة الثانية، النصوص الإسلامية النقية أصلا؛ أي بمعنى: تلك النصوص التي تنسب إلى النبي محمد. وهذه تسمى "النصوص القرآنية بقول واحد." تشكل هذه حوالي الثلثين من مجمل القرآن، والثلث الثالث هو النصوص المسيحية سابقا المتحولة إلى النصوص القرآنية بقول ثاني.
 

الرابعة، واللاحقة لمحمد تاريخيا، هي النصوص القرآنية بقول واحد التي رد-تفسيرها محررو القرآن بطريقة شوهت بها الأفكار الأصلية للنبي. هذه النصوص تدعى "نصوص محرري القرآن بعد محمد."

تحليل أبعد لهذه الطبقات النصية المختلفة الأربع.

(أ) المصطلحات العلمية الإسلامية للطبقات المختلفة من النص القرآني.

(1) المتشابهات: "النصوص التي تشبه شيئا آخر،" أو "النصوص التي تتضمن نواحي شتى من التفسير." هذه هي المعاني الأصلية للمصطلح، ولكنها فسرت لاحقا لتشير إلى "التعابير المشبهة بالبشر في القرآن،" ربما لحرف الانتباه عن النصوص المحرجة، كتلك التي تتضمن تراتيل مسيحية أصيلة.


(2) المحكمات: "النصوص المقررة، الصارمة، غير المبهمة." أصبح هذا يعني كل القرآن، ولكنه أصلا أشار إلى النوع الثالث من النصوص المذكور أعلاه، ذلك المنسوب إلى النبي من دون أي نص مسيحي سابقا يستبطنه.
 

(3) المفصل: "النصوص التي تفسر." لا بد أن هذا المصطلح كان جزءا من المحكم، لأنه ليست كل نصوص المحكم مفصلة، ولكن النص المفصل محكم دوما. إن كان المحكم يشير للطبقة الثالثة المذكورة أعلاه، فلا بد أن المفصل يشير للإيضاحات والتفسيرات المقحمة في نصوص الطبقة الأولى والثالثة لأجل تثبيت المعاني المفضلة لاحقا لهذه الطبقة، لمنع الفهم الأصلي من الظهور. لا بد أن هذه الإقحامات كانت ثمينة في وقت لم تكن النقاط المميزة وعلامات الإعراب مسموحة بعد في نصوص القرآن. مثال واضح على تفسير مقحم كهذا هو التوبة: 16.

(ب) حول المحتويات مميزة الخصائص للأنواع المختلفة في النص القرآني.

عند المحتويات المميزة للأنواع المختلفة في النص القرآني يأتي دور الجانب النقد-عقائدي من المنهج الثلاثي للولينغ. فهو يجادل بأن المحتوى الفكري الإسلامي الذي تم طبعه على طبقة الرسم الأساسية من النصوص المسيحية سابقا قد حددتها تصورات عربية وثنية بل، في الواقع، حددها الدين العربي القبلي في عصر قبل الإسلام، وأنه من هذا المنطلق تنحو هذه النصوص ضد العقائد المسيحية واليهودية. لا يعد لولينغ تصنيفه لهذه النصوص الإسلامية الأقدم كوثنية حطا منها بل تقييما إيجابيا: حيث يرى لولينغ المسيحية الأصلية، لا الكنيسة الهلينية التوحيدية-الامبراطورية، أنه رد-طفو للدين الوثني/القبلي الشعبي من حضيض دين الكادحين. لقد كانت، واقعا، إحياءً للدين السامي القديم والإسرائيلي القبلي القديم في الأماكن المقدسة والكروم المقدسة، حيث تفتحت هذه النِحلة عند مراقد الأبطال المسيحانيين البدئيين. تم اضطهاد وسحق هذا الدين القديم على يد الدين اليهودي الإمبراطوري ليهوه وبعد إحياءة وجيزة على يد يسوع، تم سحقه ثانية على يد المسيحية الإمبراطورية. يرى لولينغ أن هذا الدين القديم قد انتشر مبكرا جدا إلى المجتمع القبلي على مدى العربية، وقد بقي هناك حتى بداية القرن العشرين.

مناقضا لتصوير الإسلام المستقيم المتأخر للدافع المحوري للحركة البد-إسلامية، الذي يعرضه كهزيمة لوثنية وسط العربية، يرى لولينغ الحركة البد-إسلامية التي قادها محمد كحركة خرجت عن مسيحية وسط العربية، وتصوراتها التثليثية بالخصوص، تجاه الدين السامي الوثني/القبلي القديم، تحت شعار "عودوا إلى دين إسماعيل وبنيه." يستدل على هذا الانزياح تجاه الدين القبلي في رد-تفسير بد-إسلامي للطبقة الأساسية المسيحية الهيلينية لنص القرآن، خصوصا في تلك المقاطع التي تحارب "الجنة،" كرم الخصوبة العربي الوثني، الذي لعنته اليهودية تماما كتلك النِحلة عند الأماكن المقدسة. هذه القطع المسيحية الهلينية ضد-الوثنية، المحتواة أصلا في نص الرسم القرآني، رد تفسيرها كلها، فيما عدا الكهف: 40، على يد الآليات التحريرية للإسلام المستقيم المبكر، بحيث أصبحت "الجنة" الوثنية بالتالي تظهر كـ"الفردوس" الإسلامي المقدس، مع متعها الحسية الوثنية، التي تختلف بكل وضوح عن السماء المسيحية. مثال آخر على هذا الانزياح البد-إسلامي عن التصورات المسيحية هو أن نصوص الطبقة الأساسية المسيحية التي تشير إلى الخلاص في المسيح تم تعديلها لتنطبق على القرآن، أو تدعيمها من قبل المحررين بعلامات سلبية، فسرت بأنها تنطبق على خصوم النبي.

إن النصوص الإسلامية بقول واحد قد تأثرت أيضا بشكل ملحوظ بهذه الأفكار القبلية الوثنية العربية، ويمكن التعرف عليها قبل كل شيء في نصوص النثر البد-إسلامية المطبوعة على طبقة الرسم الأساسية للتراتيل المسيحية سابقا. تم إقحام مثل هذه النصوص بقول واحد كإيضاحات وتفسيرات ضمن رد-تفسير النصوص المسيحية، وتظهر أحيانا كنسخ جديدة وأنيقة نصيا أو نسخ بديلة عن نصوص غير متقنة قواعديا وقاموسيا، نتجت عن رد-التفسير الأصلي للنصوص التوشيحية. هذه النسخ الجديدة أو البديلة عادة ما توضع على مبعدة من أصولها غير المتقنة، التي تكررها بشكل أنيق لغويا. وهذا ما يولد الشك في أن هذه النسخ النصية الجديدة الأنيقة لم توضع بعيدا عن أصولها الخرقاء من ناحية المسافة النصية، بل أيضا من ناحية زمن التأليف. وهذا يعني أنها قد ألفت في وقت لاحق على التداخل الأصلي غير المتقن مع الرسم، الذي فرض ضرورة إنشائها لاحقا لغرض التوضيح.


المصدر:


الاثنين، يناير 02، 2012

حول نصوص توشيحية مسيحية قبل إسلامية في القرآن -- الحلقة 2

أطروحات ومنهجيات:

توجه لولينغ إلى النص القرآني يرتكز على أربع أطروحات أساسية.

الأطروحة 1: حوالي ثلث النص القرآني الحالي، كما نقله الإسلام الرسمي، يحتوي كطبقة أساس خفية نصا مسيحيا قب-إسلامي في الأصل.

(أ) صعوبات في تفسير الخط العربي القديم.

كل نص عربي اليوم، وكذلك في القرون الأربعةعشر أو الخمسةعشر الماضية، يتكون من ثلاثة طبقات مختلفة. الأولى، هي شكل الحروف الأساسي، أو الرسم. الثانية، هي النقاط المميزة، ووظيفتها هي التفريق بين الأحرف المتشابهة في الرسم. والثالثة هي علامات الأصوات، الحركات، التي لا تُظهر في نص الصوامت الأساسي متمثلا بالرسم. النقطة الحاسمة هنا هي أنه في العصور القب-إسلامية وصدر الإسلام لم تكن النقاط المميزة توضع على الإطلاق في الكتابة اليومية، لأنها لم تكن معروفة آنذاك أو لم يتقبلها الجميع. في النص القرآني، على الأقل خلال القرن الأول من وجوده، كانت النقاط المميزة ممنوعة حتى، ظاهرا من منطلق إجلال تقي للنص المقدس. كل المخطوطات القرآنية الأقدم التي وصلت إلينا تظهر النص دون نقاط أو علامات، فضلا عن الحركات الإعرابية، التي قدمت في وقت لاحق. يعني هذا أن العثور على سلسلة الصوامت المقصودة أصلا، ومن هنا المعنى المقصود أصلا للنص، يصبح أشبه باليانصيب، وكثيرا ما تحدده تصورات المحرر حول ما يجب أن يعنيه النص. (5)

(ب) الفرق بين التراكيب الشعرية التوشيحية والنصوص النثرية في القرآن كمفتاح مهم جدا في رد-بناء القرآن القب-اسلامي المخفي في القرآن اليوم.

لقد لوحظ دوما أنه في القرآن المتناقل تحتوي بعض السور بكل وضوح على لازمات توشيحية، رغم أن ترداد هذه اللازمات غالبا ما لا يتبع وزنا شعريا صارما يسهل إدراكه. كانت هذه الحقيقة تعد من قبل بعض باحثي الإسلاميات دليلا على أن القرآن احتوى أصلا تراكيب توشيحية، ترتيبها الصارم قد دمر في التحرير اللاحق للنص. لقد حول الخطاب التوشيحي أو الترتيلي القديم إلى نثر وغيّر صياغة ومعاني المادة الأقدم. وهذا حصل كما يبدو حين تم تجميع وتلخيص النصوص لتخدم ككتاب مقدس للجماعة الإسلامية الوليدة.

وفقا للولينغ، فالكشف عن هذه النصوص التوشيحية القديمة يتطلب منهجية ثلاثية: (1) فيلولوجية (نحوية وصرفية)، (2) عروضية توشيحية، و (3) نقدية عقائدية؛ حيث تم إهمال المنهجين الأخيرين منذ الـ1930ـات، وهذا التوجه يمثل بداية جديدة. إن الضرب المميز من التراتيل الدينية التي يمكن فحصها في الطبقة الأساسية من القرآن ينتمي، شكلا وتاريخا، إلى سلسلة من التراثات الشعرية التوشيحية التي تعود إلى النماذج المصرية القديمة، العهد-قديمية، العربية القب-اسلامية القديمة، واليهودية القديمة، عبر التراتيل البيزنطية، القبطية، السريانية، العربية، والإثيوبية المتكافئة في العصور القب-اسلامية وصدر الإسلام، وصولا إلى الشعر التوشيحي القروسطي المتأخر والحديث.

يرى لولينغ مما لا يرقى إليه الشك أن التراتيل الإثيوبية المسيحية الغنية في أوائل القرن السادس تعود في الأساس إلى أصل مسيحي قبطي، أحيانا كلمة بكلمة عبر مئات الموشحات، التي احتفظ بتتابعها بأناقة. وتنتج أخطاء فهم متكررة للأصل القبطي في الترجمات الإثيوبية من أخطاء فهم اعتيادية لنص عربي ملتبس دون نقاط مميزة ولا حركات إعراب. عند لولينغ، يدل هذا على أن هذه النصوص التوشيحية الإثيوبية الضخمة من حوالي 500 ح.ش، المرتكزة على مصادر قبطية، لا بد أنها مرت في مرحلة وسط-عربية من تراتيل توشيحية مسيحية مماثلة في الضخامة، ولكن مفقودة اليوم. تتضمن هذه الأطروحة أن يعد أصيلا الشعر المقطّع لامرئ القيس المحسوب قب-إسلاميا، ورد-تشكيل شبه كامل للتراتيل المسيحية الأصلية على يد مجمعي ومحرري القرآن الأوائل، الذين غيروا الشعر إلى نثر وعدّلوا في معناه الأصلي.

(ج) لغات مختلفة في القرآن.

إن لغة النصوص التوشيحية المسيحية التي يجدها لولينغ تستبطن القرآن، هي دون نقاط مميزة أو علامات إعراب، وتشابه ما سماه "العربية القديمة،" دالة على تراث من التربية والمعرفة المثقفة. هذه العربية المسيحية غير الكلاسية، العامية، ومع ذلك الأدبية حملت مكافئات قواعدية عديدة للغة الثقافة المسيحية المبكرة؛ عربية معيارية-وسطا، تربوية، ومثقفة خدمت كلغة جامعة بين القبائل، أو كوينة koine، عبر الجزيرة العربية. يعد لولينغ الرخص والقواعد النحوية للشعر التوشيحي القروسطي، كما أوصله إلينا فقهاء العربية القروسطيون، منطبقة أيضا على التراتيل المسيحية القب-اسلامية في القرآن.

(د) تقنيات رد-التفسير الإسلامي للبد-قرآن المسيحي سابقا المخفي في الطبقة الأساسية من القرآن الرسمي المتناقل.

(1) القراءة المنحرفة للحركات، والتي تعني لاحقا الوضع المختلف لعلامات الإعراب، ولكن مع ذلك الاحتفاظ تماما بالطبقة الأساسية من الخط العربي.
(2) القراءة المنحرفة للصوامت، والتي تعني لاحقا الوضع المختلف للنقاط المميزة على حروف ملتبسة، ولكن رغم ذلك، بدافع التقوى، الاحتفاظ تماما بطبقة الرسم.
(3) التغيير أو التشويه البسيط للحروف في طبقة الرسم، وفي نفس الوقت قراءة حروف وحركات مغايرة، وبالتالي تغيير النقاط المميزة وعلامات الإعراب.
(4) حذف، إضافة أو استبدال حروف مفردة من نص الصوامت في الطبقة الأساسية (الرسم)، من كلمات مفردة، جمل أو مقاطع.
(5) استغلال هيئة كتابة مغايرة أو مختلفة (عامية أو رفيعة).
(6) استغلال التطابق بين معاني مختلفة للكلمة والكلمة أو الجذر المقابل في العبرية، الآرامية (السريانية)، والعربية العامية أو الرفيعة.
(7) إعطاء معنى منحرف لكلمات مفردة على أساس ترابطات غامضة، بحيث يكون على سلسلة من المعاني القرآنية المعجمية أن تصنف كمخترعة.
(8) إهمال القواعد النحوية وبالذات المتعلقة بالصياغة ضمن القراءة المنحرفة الأولية للتراتيل المسيحية سابقا.

هذه التقنية الأخيرة قادت بعض النحويين العرب، دفاعا عن الشذوذات اللغوية التي أنتجتها، لادعاء أن محتوى القرآن ليس محكوما بالنحو العربي، بل النحو العربي هو المحكوم بالقرآن. لهذا فالقرآن، جزئيا، لا يناقض قواعد العربية الدنيوية الشائعة فحسب، بل نفسه أيضا حين يقول: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ (الأمور) لَهُمْ" [إبراهيم: 4] و "وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ" [النحل: 103]. وفقا لهذه النصوص، فإن التفسير البعيد للنحويين أن هذه الشذوذات النحوية للقرآن هي نتيجة للعبارات الوجدية للنبي هو أمر صعب الإقناع.


المصدر:

الهوامش:

(5) See also M. Cook, The Koran: A Very Short Introduction (Oxford, Oxford University Press, 2000), chap. 7, and Y. H. Safadi, Islamic Calligraphy (London: Thames & Hudson, 1978).

حول نصوص توشيحية مسيحية قبل إسلامية في القرآن -- الحلقة 1

حول نصوص توشيحية مسيحية قبل إسلامية في القرآن:
نظرة نقدية إلى عمل غونتر لولينغ

ابن الراوندي


مقدمة:
ولد غونتر لولينغ في ڤارنا، بلغاريا عام 1928. وقضى الفترة الأولى من حياته الأكاديمية في جامعة إرلنغن، ألمانيا بين 1956 و 1961. كان مقصده الأساسي أن يعمل كلاهوتي على الثيمات اللاهوتية للقرآن، ولكن خضوعا لمعارضة أستاذه لهذه الفكرة، وافق على العمل على موضوع تبني العلماء العرب للعلم اليوناني. ونظرا لاستمرار العلاقة السيئة بينه وبين أساتذته، أجبر على مغادرة الجامعة عام 1961، "دون أي إنجاز يذكر في تلك الأعوام." (1)

ولكن هذه التجربة السيئة كانت، في الواقع، نعمة متنكرة، لكونها قادته لنيل وظيفة مدير معهد غوته في حلب، سوريا، في الأعوام 1962 إلى 1965. وهناك تعلم ما لم يكن ليتعلمه لو بقي في الحياة الأكاديمية في جامعة ألمانية: ألفة عميقة مع العامية العربية. وقد ظهر لاحقا أن معرفة العامية العربية كانت من المتطلبات الأساسية لتحليل النص القرآني نقديا. عام 1966 اغتنم لولينغ الفرصة ليعود للحياة الأكاديمية في ألمانيا: أولا كأستاذ مساعد في قسم الطب في إرلنغن، مشرفا على الدراسات في تاريخ الطب القديم والعربي القروسطي، ومن ثم تحول في نهاية 1967 إلى منصب أستاذ مساعد في معهد إرلنغن للدراسات العربية والإسلامية. وهنا كان في موقع يمكنه من متابعة التوجه الانتقاد-عقائدي للقرآن الذي رغب فيه دوما. (2)

النتيجة الرئيسة لبحث لولينغ كانت أنه خلف حوالي ثلث النص القرآني توجد تراتيل توشيحية مسيحية ضد-تثليثية، تعود إلى بداية القرن السادس ب.ح.ش، قبل قرن تقريبا من بعثة محمد؛ حيث الخلفية المفترضة لهذا الاكتشاف هي وسط-العربية المسيحي في الغالب، بما في ذلك مكة، كعبة، وقريش مسيحية. عام 1970 قدم لولينغ أطروحة من 170 صفحة حول بحثه كأطروحة دكتوراه. والتقارير الرسمية حول الأطروحة كانت متحمسة، إذ تقول: "إن البرهان على بد-نصوص توشيحية، يمكن رد-بنائها، يمكن عده مؤكدا.. هذا العمل يضع تاريخ أصل الإسلام وتاريخ عقائديات المسيحية المشرقية المبكرة في أبعاد جديدة،" وكرّم بالتالي بأعلى درجة ممكنة ’عمل متفوق.‘ ولكن خلال أسبوعين، تغيرت لهجة سلطات الجامعة وتم إعلامه أنه لا يمكنه أن يأمل في فرصة ما بعد الدكتوراه التي وفرتها له درجة ’عمل متفوق.‘ وفقا للولينغ، فقد استثارت أفكاره غضب أستاذ العربية أنتون شپيتالر من ميونخ، وهو قائد مدرسة الفيلولوجيا النقية بين دارسي العربية الألمان. رفض سبيتالر التخلي عن المنهجية التقليدية في الحكم على القرآن بقواعد العربية الكلاسيكية، وخشي أن نتائج لولينغ سوف "تقلب بالتأكيد رأسا على عقب كل الأفكار الموجودة اليوم حول تاريخ أصل، نص، ومحتويات القرآن." كان تأثير شپيتالر كبيرا لدرجة أن في نهاية 1972 تم فصل لولينغ رسميا من جامعة إرلنغن. (3)

ولكن تطبيق هذا القرار أمكن تأجيله بمرافعات قانونية ضده، وهذا المسار هو ما اختاره لولينغ. وقد شجعه في هذه الحركة دعم خبير القرآن الفرنسي ريجي بلاشير. فبعد دراسة أطروحة لولينغ، كتب له بلاشير: "زميلي الموقر جدا. بهذا الطريق (أي، بطرق لولينغ) يستمر تقليد تلك المدرسة البحثية الألمانية التي ندين لها بتقدير وامتنان وافرين. آمل أنه بفضل جيلك ستستمر خصوصية فضولية ذات أهمية عالمية تجاه الدراسات الإسلامية، وحدها توفر فرصة لفهم عالمي للمشكلات." لسوء الحظ، توفي بلاشير بعد عدة شهور من كتابة هذه الرسالة، ولكن لولينغ استمر في الدفاع عن قضيته. ففي عام 1973 قدم كامل مجموعته من النصوص المسيحية التوشيحية المستردة، تحت عنوان ’حول النصوص الشعرية التوشيحية المسيحية القب-إسلامية في القرآن،‘ إلى قسم الفيلولوجيا في إرلنغن كأطروحة ما بعد الدكتوراه، الضرورية لاستمرار مسيرته الأكاديمية. وفي فبراير 1974، صوت ضدها أيضا أكثرية أعضاء القسم، وفقا للولينغ، بعد تسييس كبير من طرف جبهة "الفيلولوجيا النقية." نوقش هذا القرار في المحكمة، ولكن دون جدوى، وفصل لولينغ نهائيا من الجامعة في يوليو 1978. (4)

ولكنه عام 1974 قام بنشر أطروحته تحت عنوان ’حول القرآن البدئي،‘ التي لاقت قبولا حسنا لدى كثيرين خارج المؤسسة الأكاديمية في ألمانيا. وهذا هو العمل، الذي تم مراجعته وتوسيعه للنسخة الإنجليزية تحت عنوان ’حول النصوص الشعرية المسيحية القب-إسلامية في القرآن،‘ الذي يشكل أساس العرض والنقد الحالي لأفكار لولينغ. وبالإضافة، فقد نشر لولينغ أيضا عملا حول النبي محمد: ’إعادة اكتشاف النبي محمد،‘ الذي سيشار إليه أحيانا.



المصدر:


الهوامش:

(1) See G. Luling, "Preconditions for the Scholarly Criticism of the Koran and Islam, with some Autobiographical Remarks," Journal of Higher Criticism 3, No.1 (spring 1996): 81.
(2) Ibid., pp. 89-90.
(3) Ibid., p. 95.
(4) Ibid., pp. 96-99.

تعبير قمراني في القرآن -- مارك فيلونينكو

تعبير قمراني في القرآن

مارك فيلونينكو

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ..

السورة 85 (سورة البروج) كانت دوما محبطة للمترجمين والمفسرين. فالتفسير الكلي للنص يمليه في الواقع جواب السؤال: من هم "أصحاب الأخدود" الذين لعنهم النبي؟

اقترحت ثلاثة حلول رئيسة، سنلاحظها فيما يلي. الحل الأكثر اشتهارا يرى في السورة استنكارا لاضطهاد مسيحيي نجران على يد الملك اليهودي ذو نواس عام 523. كان الملك المضطهد قد حفر أخدودا ضخما وملأه بمادة محترقة. ولا بد أن عدد كبيرا من الشهداء قد ألقوا في الجمر.

باحثون آخرون، من جايجر ولوت وحتى بلاشير، إنما يرون في هذه السورة إشارة إلى حكاية الشباب الثلاثة في الفرن (دانيال 19:3-20).

يواجه هذان التفسيران بضع صعوبات نوّه بها ي. هوروفيتز. فاللعنات في الآيات 1 إلى 3 يصعب أن تطبق على أحداث ماضية، ولكنها، على العكس، تستلزم حسابا سيأتي. آخذا من جديد اقتراح هـ. غريم، يرى هوروفيتز في "أصحاب الأخدود" الأشرار الذين يرمون في نار الجحيم والذين، في يوم الحساب، سيكون عليهم أن يتحدثوا عن الجرائم التي ارتكبوها ضد المؤمنين. دعنا مع ذلك نشير إلى أنه يوجد مثال واحد فقط يمكن فيه لكلمة "أخدود" أن تشير إلى الجحيم في غمرة اللهب. والآية محل البحث هي من إسدراس (عزرا) الرابع (7، 36): "وستظهر حفة العذاب؛ وفي مواجهتها سيكون موضع الراحة؛ وسيُرى آتون جهنم، وبمواجهته سيكون فردوس اللذات".

هذه إذن هي حالة سؤال قامت المخطوطات المكتشفة قرب البحر الميت بإحيائه كليا. فالجحيم، شيول، يشار إليها دائما هناك بالكلمة العبرية "שַׁחַט شَحَط،" التي بالفعل تشير في العهد القديم إلى مستقر الأموات. ولهذا، فنحن نقرأ في "التعليم حول الروحين" (القاعدة 4، 11-13): "وأما المجيء بالنسبة لجميع الذين يسيرون في هذه الروح، فهو يشتمل على غزارة الضربات التي يدبرها جميع ملائكة الدمار، وعلى الهاوية الأبدية من خلال الغضب الثائر لرب الانتقام، وعلى الرعب الدائم والخجل الذي بلا حدود، كما وعلى الاستسلام للهلاك بنار المناطق المظلمة".

هذه القطعة مهمة لتفسير السورة. فالنص القمراني يصف، عمليا، عذابات الملعونين في العالم الآخر عند يوم الحساب: ففي "الأخدود الأبدي" سيحرقون "بنار المناطق المظلمة".

يصف كتاب الأناشيد تكرارا في بعض رؤى القيامة قوى الأخدود التي تنتشر خلال العالم في آخر الزمان. "ستفترس أرحام الأخدود كل أعمال الرعب"، "سهام الأخدود" تطير في السماء؛ "أبواب الأخدود ستغلق"، في حين "فتحت كل فخاخ الأخدود".

وهناك المزيد: فنصوص قمران تدعو الأشرار صراحة باسم "בְּנֵי הַשַּׁחַט (بِنَي هشَّحَط) أبناء الأخدود" وأفضل من ذلك "אַנְשֵׁי הַשַּׁחַט (أنِشَي هشَّحَط) أهل الأخدود"، بمعنى الملعونين، أولئك الموكلين للأخدود الأبدي. لهذا نقرأ في الدستور (9، 16) "ولا يوبخن رجال الشِرك (بمعنى الفخ)"؛ أو في 9، 22، "بغض أبدي تجاه أناس الشِرك بسبب روح الاكتناز لديهم!" أو أفضل من ذلك، في 10، 19-20:
أما فيما يخص تعدد رجال الشرك، فلن أقبض عليهم حتى يوم الانتقام؛ لكنني لن أقود غضبي بعيدا عن الرجال الضالين، ولن أرضى حتى يفتتح الحساب.
النص الأخير مهم بشكل خاص، لأن "رجال الشِرك" (أهل الجحيم) هنا هم بالفعل من سيطبق عليهم العقاب في يوم الحساب.

وهكذا فقد تأكد أصل الصيغة القرآنية "أصحاب الأخدود". فهو ترجمة بسيطة للتعبير القمراني (أنِشَي هشَّحَط). والمعنى العام للسورة بالتالي قد توثق. فهو مشهد الحساب الأخير. فالأشرار سيلقون في الهاوية التي أشعلتها الجحيم، حيث يحترقون على لهب خفيف، عقابا على الجرائم التي اقترفوها ضد الأتقياء.

والآية 10 تدعم تفسيرنا: "إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ". ومع أن عددا من الباحثين رصدوا هنا إضافة لاحقة، فهذا الإقحام لم يكن عشوائيا. إذ هو يظهر فهما صميما وموثوقا للسورة، حيث وفر، لو صح التعبير، أقدم وأهم تفسير.

إن توافر القرآن على تعبير قمراني بمثل تقانة "أصحاب الأخدود" يشير بأدق شكل ممكن إلى أن النبي كان على علم بأفكار وصياغات إسينية شائعة. وهذه دعوة مخلصة لتولي من جديد دراسة الإسخاتولوجيا القرآنية في ضوء نصوص قمران.


المصدر: